مركز جمال بن حويرب للدراسات | معارف | التوثيق الرقمي للتراث

الكاتب: د. علي الأكلبي

العناية بالتراث والحفاظ على المصادر الفكرية والثقافية للمجتمعات مسؤولية الجميع، وتتركَّز المسؤولية بشكل خاص في مؤسَّسات المعلومات المتخصِّصة، من مراكز معلومات ومراكز دراسات ومكتبات ومراكز محفوظات ومتاحف، ولأنَّ الكثيرَ من المخاطر والتحديات تكتنفُ تراثنا بِصُوَرِهِ كافَّة، واحتمال ضياع أو تلف أو اندثار أجزاء منه أمرٌ واردٌ. فعندما يتعرَّض التراث لكارثة طبيعية أو كارثة من فعل البشر، أو عندما تنشبُ حرائقُ أو تتعرَّضُ تلك الوثائقُ والمحفوظاتُ لغرقٍ أو تطالها يدُ مخربين في حروبٍ، أو يعتدي عليها جاهلٌ بقيمة وأهمية التراث، فإنها تندثر ولا يبقى لها وجود، وهذا كله يشكِّلُ عواملَ خطرٍ تهدِّدُ التراثَ الإنسانيَّ في بيئته التقليدية  وعلى الوسائط القديمة المعروفة للجميع من ورقٍ وجلودٍ وألواحٍ وسواها، وربما أدَّى ذلك إلى فقدان الذاكرة التاريخية أو بعضٍ منها لبلدٍ أو بلدانٍ عدة، وهذا يلغي رصيداً كبيراً من حضارات الأمم وإرثها التاريخي ويمحيه من الوجود، ويؤدي إلى أن تبدأ المجتمعات من جديد في صناعة تاريخها وموروثها من نقطة تكوين جديدة؛ لعدم وجود ماضٍ موثَّقٍ يمكن العزو إليه والإضافة إلى رصيده.

لا تقدر بثمن   

الجميع سمع ورأى ما حلَّ بالوثائق والمخطوطات والكتب النادرة التي تعرَّضت للحرق أو السرقة في بعض الدول التي اجتاحتها كوارثُ أو حروبٌ أو تغيُّرٌ سياسيٌّ فيها، ما أفقدها جزءاً عزيزاً لا يقدَّر بثمنٍ من إرثها وذاكرتها الحضارية والتاريخية والثقافية. ومن المعلوم أنَّ تاريخَ الأمم وتراثها يتناقله الأجيال ويتوارثونه جيلاً بعد جيل عبر السماع للسرد الشفهي، أو من خلال الرسم والنحت للأحداث والمفاهيم والتقاليد، أو عبر الكتابة والتدوين، أو عبر التصوير الفوتوغرافي ومقاطع الفيديو والتسجيلات الصوتية التي ظهرت في عصور متأخرة.

     لكن ذلك كله لم يعد كافياً في وقتنا الحاضر، لقد كان مفيداً ومناسباً لتلك الحقب المتعاقبة والمراحل الزمنية المتتابعة التي صحبها تطوُّرٌ وتغيُّرٌ في وسائط الحفظ والتوثيق، حتى وقتنا الذي أضحى تحت هيمنة البيئة الرقمية بمقوماتها وأساليب أدائها في مجريات الحياة عامة، حتى رفعت الحكومات شعارات التحوُّل الرقمي لكافة مناحي الحياة، واتجهت إلى رقمنة التطبيقات والتعاملات التقليدية وشبه التقليدية، وتوسَّعت في التحوُّل الرقمي ليشمل كلَّ ما يمكن.

        شعار الرقمنة

عمليات الرقمنة والتطبيقات الرقمية تعتمد على حفظ وتوثيق البيانات رقمياً، وتبادلها وحيازتها وتحليلها وحفظها وتنظيمها والبحث فيها والاسترجاع الدقيق والسريع للمواد محل البحث في وقت وجيز وبسرعة ودقة فائقتين.

 ومن أهم عوائد التوثيق الرقمي للتراث، والتي تجدر الإشارة إليها في معرض الحديث عن التوثيق الرقمي ما يلي:

1.    التوثيق الرقمي يتمُّ من خلال عمليات مسح ضوئي لصورة مطابقة للوثيقة باستخدام التقنيات الحديثة لنقل وحفظ صورة طبق الأصل للوثيقة أو المحتوى، وهذ يسمح بالوصول للتراث رقمياً دون فقد مميزات مهمة.

2.    إمكانية الوصول المتزامن لأكثر من مستخدم للوثيقة نفسها.

3.    تطوير أساليب حفظ واسترجاع التاريخ والتراث وتحسين آليات البحث فيه، وتسهيل الوصول إليه من دون التأثُّر بعامل الزمان أو المكان.

4.    تحسين كفاءة العمل في توثيق التراث وتوفير الجهد والمال والوقت من خلال استبدال أعمال الحفظ والتوثيق التقليدية بالأساليب الرقمية.

5.    إنشاء قاعدة معرفية ضخمة تحوي ذاكرة الأمة وتاريخها وثقافتها.

6.    القدرة على الاطلاع على الوثائق وتبادلها بسهولة في أي وقت ومن أي مكان وفق التنظيمات المحدَّدة من قِبَل الجهة المشغلة لمراكز التوثيق الرقمية في كل بلد.

7.    سهولة ربط الأجيال بشكل مستمر بتاريخهم وإرثهم الحضاري، ليساعدهم على بناء المستقبل المتصل بالرصيد الثقافي.

 

عمارة التاريخ صمدت مام عوائل الدهر.. لكن ٔا من يحميها

8.    الوصول إلى شريحة أكبر من المستفيدين عبر شبكة الإنترنت.

9.    إمكانية حفظ التراث وإتاحته في صيغة رقمية مهما كان حجمه في ظل تزايد حجم المعلومات بشكل كبير في وقتنا الحاضر.

10. اختفاء أو تلاشي الحدود التقليدية بين المكتبات ومراكز المحفوظات والمتاحف في البيئة الرقمية.

وتتمُّ عملية التوثيق الرقمي من خلال رصد ورقمنة التراث الفكري للدول وحفظه، مهما كان نوعه وشكله، ليبقى متاحاً في متناول الجميع على مرِّ العصور، حيث صار بالإمكان استخدام وسائل متنوعة للتوثيق الرقمي بحسب نوع المادة المراد رقمنتها، ومن أمثلة ذلك:

1.  استخدام تقنيات خاصة بتسجيل التراث الذي يكون على شكل نقوش صخرية أو كتابات منحوتة في ألواح أو بيوت أو ما شابه ذلك باستخدام التصوير المساحي الضوئي.

2. استخدام آلات تصوير خاصة بمساعدة برامج حاسوبية، لكي تكونَ نماذج للمجسَّمات والمنازل والصخور والمقابر ونحوها بتقنية ثلاثية الأبعاد، ثمَّ حفظها رقمياً.

3.   استخدام الكاميرات المزوَّدة بأنظمة تصوير متطورة للتصميم الرقمي والتقاط الصور على أرض الواقع للمتاحف والآثار المطلوب توثيقها رقمياً. 

4.   استخدام التصوير الجوي بناءً على اختيار المساحة التصويرية للمواقع الأثرية بطريقة تسمح بحفظها والاطلاع عليها مع إبراز كافة المعلومات الخاصة بتفاصيل تلك المواقع.

5.   استخدام تقنيات رقمية متطورة تعتمد على المسح الضوئي بالليزر والمسح التصويري، وتساعد على الحفظ الرقمي للكثير من الآثار التي يجب المحافظة عليها، وقد يصعب ذلك بسبب وعورة مكانها أو تعرُّضها لعوامل بيئية تُعَرِّضُها للاندثار مثل الأعمال الخشبية القديمة للمشربيات وإطارات النوافذ على المنازل القديمة، وكذلك الأشكال والزخارف والمنحوتات الجبسية، والمنازل المهجورة أو المعرَّضة للسقوط، وكذلك توثيق اللوحات الجدارية التي تحكي تقاليد وعادات الشعوب.

 

هدم أبنية تراثية يؤدي إلى قتل ذاكرة التاريخٔ

 

حرق الكتب يعادل حرق الفكر

تراث الأمم

لذا، فإنَّ إرهاصات المرحلة ومتطلباتها تجعل من عملية حفظ وتنظيم الوثائق رقمياً بأشكالها كافَّةً وما احتوت عليه من معارفَ أمراً ميسوراً، كما أنها تمكِّن عملية حفظ ومشاركة تراث الأمم والوصول إلى ما يريده الباحث بسهولة ويسر دون عوائق زمانية أو مكانية وبجودة كبيرة ومحتوى متكامل، والأهم من ذلك إمكانية المحافظة عليه وتوريثه للأجيال القادمة مهما كانت الظروف.

صور

حقوق النشر محفوظة 2020 مركز جمال بن حويرب للدراسات