مركز جمال بن حويرب للدراسات | معارف | المتحف البريطاني مستودع تاريخي يروي حضارة الشرق
  • المتحف البريطاني مستودع تاريخي يروي حضارة الشرق
  • معارف

محمد التداوي- مؤرخ مصري مقيم في إيطاليا

المتحف البريطاني واحد من أشهر المتاحف على مستوى العالم، ويسبق متاحف كثيرة عريقة في المكانة وفيما يملكه من كنوز الحضارات القديمة؛ حين أتت حقبة فقدت فيها هذه الكنوز قيمتها في بلادها ووُجِدَتْ في عيون جامعي التحف والمخطوطات القديمة. وكان أسعد الإنجليز حظاً بتلك الكنوز هانز سلون، الذي كان يمتلك مجموعة قدرت بنحو واحد وسبعين ألف كتاب وأثر وحفرية؛ أهداها بشروط للملك جورج الثاني باسم الأمة البريطانية، لتحفظ بعد مماته بما يناسب قيمة هذه الكنوز، التي طلب من الملك في المقابل أن يعطي ورثته مبلغ عشرين ألف جنيه إسترليني.

في نفس المكان الحالي تأسَّس المتحف ومرَّ بمراحل عديدة مثل غالبية المتاحف القديمة، إلى أن انتهى إلى صورته الحالية في هذا المبنى، الذي بني على طراز المعابد الإغريقية في سنة ١٨٥٧م، بإشراف مصممه المعماري السير روبرت سميرك. من شارع جانبي لا يظهر لك منه أهمية ذاك المبنى الواقع خلف زاويته، ربما إلا من بعض أفواج السائحين التي تتحرك في مجموعات كبيرة تنبهك أن في هذا المكان موقعاً مهماً للزيارة، تسبقني ابنتي بخطوات فيما أحاول عمل فيديو قصير يبين الشارع الذي يقع فيه المتحف.

جولة رائعة

بالطبع بدأت أحكي لها أن المجموعة الأولى المهداة من السير هانز تبعتها مجموعات أخرى كثيرة، ومتنوعة ما بين آثار الشرق والغرب، حتى وصل عدد القطع الأثرية التي يمتلكها المتحف البريطاني إلى أكثر من ثمانية ملايين أثر من بقاع الدنيا كافة، متدرجة من القديم للحديث، واشترى المتحف من السير وليام هاملتون سنة ١٧٧٢م مجموعته، وكانت مجموعة هارليان للمخطوطات قد سبقتها مع مجموعة مكتبة كوتونيان للكتب والمخطوطات، ثم جاءت الاستكشافات الأثرية بعدد أكبر فيما بعد، وأيضاً كان للأسطول الإنجليزي وعمليات الاستعمار الواسعة يد كبيرة في زيادة العدد بعد أن استطاعوا إمداد المتحف بمجموعات من أكثر بقاع الأرض، مثل مجموعة كلوديوس جيمس ريتش مندوب شركة الهند الشرقية في بغداد، الذي أحضر إلى أرض الإنجليز ثروة من كنوز حضارات العراق القديم.

كنوز الشرق في ردهات المتحف

جذب المتحف البريطاني منذ الافتتاح الأول عدداً كبيراً من الزائرين، وحتى يومنا هذا، والمتحف مفتوح للجمهور مجاناً من كل الجنسيات، وتلك ميزة جعلت من المتحف البريطاني نقطة جذب. تلك زيارتي الخامسة لهذا المتحف، لكنها الأول مع ابنتي، وهي التي خططت لهذه الزيارة هذه المرة، وكان نصيب صباح هذا اليوم الخريفي، زيارة المتحف البريطاني، واحترت كيف أقدم لها صورة وافية عن هذا المكان وما يحتويه من إرث الحضارات القديمة، ولا شك أن فخري واعتزازي كان يزداد كلما اقتربنا من المدخل، حيث ينتظرنا هناك سفراء حضارات الشرق القديمة، مما ترك الأجداد، لم أدخل في المسار الطبيعي للزيارة قصداً، واخترت أن أبدأ من جداريات الملك الآشوري «سنحاريب».

آثار الشرق

تلك نينوى تطل بجداريات قصر سنحاريب، التي اكتشفها الإنجليزي أوستن هنري لايارد، بمساعدة من هرمز رسام، وهي من المرمر، وكانت تغطي جدران وغرف ودهاليز قصر الملك، حيث صور فيها حروبه، خاصة انتصاراته، وأعماله الكبيرة. وعلى بعد أمتار تطل نمرود ممثلة المواقع الآشورية، وتحديداً موقع القصر الشمالي الغربي للملك آشور ناصربال الثاني، الذي نقلت منه أجزاء مهمة إلى هنا.

استدرنا فوجدنا المسلة السوداء، وهي المسلة العراقية الشهيرة للملك شلمنصر الثالث، وهي المسلة الوحيدة الكاملة تقريباً، لكنها لا تقارن بأحجام المسلات المصرية القديمة العملاقة، حيث لا يتجاوز ارتفاعها مترين، وعليها نقوش تمثل أخذ الملك للجزية المفروضة على الشعوب الخاضعة له. ولن نترك هذا الجناح دون أن نرى كنز الأوكسوس العائد للدولة الأخمينية في فارس القديمة، وهو يعود للقرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، وبجانبه شاهدنا آثاراً أخرى تعود لحضارة بلاد الرافدين ما بين آلاف اللوحات المكتوبة بالخط المسماري، والتي كانت محفوظة في مكتبات القصور الملكية القديمة.

 

حجر رشيد

الحقيقة أن الوقت محدود جداً إذا ما قارناه بعدد الكنوز الحضارية المعروضة فيما محيطه مئة متر مربع، أسرعت إلى ما أجلته حين وصلنا إلى المتحف، وخرجنا من باب عكسي لنعاود الدخول من القسم المخصص لحضارة مصر والسودان، وبالطبع يقف حجر رشيد محاطاً بعشرات الزوار المدركين لقيمته، وهو قطعة أثرية لها أهمية كبيرة جداً، ربما تتفوق على كنوز من الذهب والأحجار الثمينة؛ فحجر رشيد عبارة عن قطعة من حجر الجرانوديورايت، مكتوب عليها نص بثلاث لغات هي الهيروغليفية، والديموطيقية، واليونانية القديمة.

والنص عبارة عن مرسوم صدر من منف سنة ١٩٦قبل الميلاد، أقامه كهنة مدينة منف، تخليداً للملك بطليموس الخامس. وللحجر قصة طويلة، حيث استخدم بعد نهاية دولة البطالمة وزوال أهمية ملوكهم ثم قلة الاهتمام بمعابدهم، في بناء معابد وقلاع ومساجد في العصور اللاحقة، وكان نصيب حجر مدينة منف هذا أن ينقل شمالاً، إلى أن انتهى به المطاف ليكون مجرد حجر في طابية رشيد، إلى أن اكتشفه الملازم في جيش الحملة الفرنسية على مصر، بيير فرنسوا بوشار، سنة ١٧٩٩ميلادية، وهو الذي أدرك على الفور الأهمية التي يمثلها، حيث كان أول الأحجار التي تحوي أكثر من نص بنفس اللغات التي استخدمت في مصر في العصور القديمة.

حجر رشيد في المتحف البريطاني

لم يتسنَّ للفرنسيين الاحتفاظ به أكثر من عامين؛ إذ انتقل إلى يد الإنجليز بعد معركة أبي قير البحرية سنة ١٨٠١ميلادية، التي انتهت بانتصار ساحق للأسطول الإنجليزي على الأسطول الفرنسي، الذي دُمر وأُغرق أمام خليج أبي قير، وبعدها ذهبت به السفن الإنجليزية إلى العاصمة لندن، وأودع المتحف في ١٨٠٢م، ومن ساعتها بدأت الدراسات لفك رموز النصين الهيروغليفي، والديموطيقي، مقارنة بالنص اليوناني، على يد العالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون بعد اكتشافه بأكثر من عشرين عاماً.

برديات عديدة

ثم هناك برديات عديدة ومهمة؛ منها بردية كتاب الخروج إلى النهار الشهير بكتاب الموتى، وهو كتاب لم تكن قداسته للمصري القديم تقل عن قدسية كتب الأديان السماوية عند أتباعها، وهناك بردية دروس الملك أمنمحات، ألقاها في صورة قصيدة على ابنه في الحلم، هذه البردية تحديداً استعان بها شامبليون لدراسة حجر رشيد. وهناك بردية علمية مهمة هي بردية رند الرياضية، وتعود لعصر الانتقال الثاني وفيها نحو من ٨٤ مسألة حسابية وحلولها، وكيفية حساب الأشكال الهندسية، إضافة إلى مجموعة كبيرة من التماثيل والتوابيت وجداريات منزوعة من مقابر وادي النيل في مصر والسودان، وكان جزء مهم من آثار مصر والسودان يعود لقنصلهم هنري سولت، الذي استطاع في إحدى المرات بمساعدة جيوفاني بلزوني الحصول على تمثال نصفي للملك رمسيس الثاني، مثلما فعل مع القنصل الفرنسي في تمثال توحتمس الثالث النصفي.

 

ثراء حضاري

ستسرقنا حتماً الكلمات، ولن أستطيع تقديم كل المتحف في مجرد مقالة واحدة، لكن أظنني أعطيت فكرة عما بداخله من قطع أثرية تخص حضارات الشرق القديم ومصر، ولا يخفى على الكثير أن فيه من الآثار الرومانية والإغريقية التي بني الهيكل الخارجي على طراز معابدها، بشكل مربع خارجي يتوسطه صحن دائري كبير أصبح مغطى بتصميم أحدث من تصميم بنائه، وهناك قاعة مخصصة للآثار اليونانية والرومانية، فيها من التماثيل والزخارف وأرضيات الفسيفساء الرائعة، وكذلك مجموعة مهمة من الكتابات اليونانية واللاتينية، تشكل مرجعاً مهماً في تأريخ تلك الفترة من حضارات شمال البحر المتوسط؛ خاصة في شبه الجزيرة الإيطالية.

معروضات من الحضارة الفرعونية لا تقدر بثمن

جزء مهم وكبير من تاريخ البشرية يشمل إفريقيا والمحيط الهادئ والأمريكتين، ممثل بقاعة تجمع عدداً من المقتنيات تمثل ثقافة هذه الشعوب الأصلية التي سكنت هذه البلاد قبل ثورة الهجرات في النصف الأخير من الألفية الثانية، وربما سيتبادر إلى الذهن السؤال البديهي: كيف تجمع مناطق شاسعة مثل إفريقيا والأمريكتين في صالة واحدة، في حين تخصص لحضارة الشرق الأوسط ومصر والسودان وروما واليونان، قاعات منفردة؟ والجواب بديهي أيضاً، هو أن التقسيم ليس بالمساحة، وإنما بما تركته حضارات هذه البلاد في التاريخ القديم، ولا يخفى على الدارسين أن الأمريكتين مثلاً وشعوبهما القديمة ظلت في عصورها الحجرية حتى اكتشاف الأمريكتين نهاية القرن الخامس عشر مع بداية الرحلات الاستكشافية، واصطدامهم بحضارات المستكشفين الجدد الإسبان ومن بعدهم ومعهم البرتغال، وتلك الاكتشافات كانت سبباً رئيساً في كتابة سطور النهاية لهذه الحضارات الشهيرة والكبيرة مثل الأنكا والمايا والآزتك وغيرها من الحضارات القديمة لشمال ووسط وجنوب الأمريكتين.

أسد بابل في المتحف البريطاني

 

قبائل وممالك

أما عن قارة آسيا، فحدِّث ولا حرج؛ فالقاعة المخصصة لها تمتاز بتنوع كبير من شمال وجنوب وشرق وغرب القارة الآسيوية؛ ما بين كنوز الصين القديم والهند وممالك القبائل الآسيوية ومناطق التبت وجزر الجنوب؛ بالطبع بدون حضارة بلاد الرافدين، حيث خصصت لها قاعة منفردة، نظراً للعدد الكبير الموجود من آثار هذه الحضارة، كما ذكرنا آنفاً. وهناك أيضاً قاعة خصصت لتاريخ العملات النقدية من يونانية ورومانية وبيزنطية وعربية إسلامية وحديثة، وهي متنوعة ما بين ذهبية وفضية وبرونزية، وكذا العملات القديمة التي تحمل صوراً وأسماء لشخصيات تاريخية أثرت بشكل أو بآخر في تاريخ مناطق نفوذهم القديمة.

تماثيل حجرية من الصين

وفي مكتبة المتحف صور مصحوبة بنصوص تشرح كل القطع والحضارات التي تطل من داخل القاعات المخصصة لتتحدث عن بلادها وحضارتها وصانعها وتاريخ نشأتها في منطقة ما من الكرة الأرضية. وعندها يرى الزائر للعرب الشرق أوسطيين شواهد حضارة ضاربة في عمق التاريخ للعرب شكَّلت مراحل مهمة وممتدة من تاريخ الإنسان المتحضر حين كان سكان باقي الأرض ضاربين في عصور ظلامهم الممتدة. الدعوة أيضاً للقراءة؛ فالمتحف، وإن كان وفر للزائر مجانية الدخول، فلا أقل من أن ينفق جنيهات قليلة للحصول على كتاب أو دليل أو حتى هدية لأصدقاء من خلال متجر يوفر نسخاً بأشكال وأحجام متعددة لأشهر القطع الأثرية من الحضارات المختلفة.

 

صور

حقوق النشر محفوظة 2020 مركز جمال بن حويرب للدراسات